جلال الدين الرومي
74
فيه ما فيه
النفس العادية كالمرآة الصغيرة في يدك يبدو فيها كل شئ على حقيقية من الحسن أو الكبر أو الصغر ويستحيل فهم ذاك بالقول وإنما حسب الكلام أن الضئيل يظهر فيها ضئيلا . أما ما نتحدث عنه فهو عالم فحين نطلب هذه الدنيا وملذاتها فهذا نصيب الحيوانية في الآدمي هذه الحيوانية تفعل كل هذه القوى في طلب الدنيا ، أما الأصل وهو الإنسان فيأخذ في القلة . ألا يقال إن الآدمي حيوان ناطق ، إذن فالآدمى شيئان : قوله الحيوانية فهذه الدنيا وهي الشهوات والرغبات ، أما ما هو خلاصته فغذاؤه من العلم والحكمة ورؤية الحق والجزء الحيواني في الآدمي يهرب من الحق والجزء الإنسانى فيه يهرب من الدنيا فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [ سورة الزمر الآية 22 ] ؛ فشخصان في صراع في حدود الآدمي ومن يؤثره الآدمي هو الذي ينتصر . ولا ريب في أن هذا العالم شتاء من الجمادات لماذا يسمى الجماد جمادا ؛ لأن جميعه متجمد ، فهذا الحجر والجبل والرداء المغطى للجسم كله متجمد ، فإذا لم يكن شتاء فلماذا يتجمد العالم ومعنى العالم على أنه بسيط يغيب عن النظر لكن باعتبار تأثير القوة وهي الرياح والبرودة فهذا العالم كفصل الشتاء الذي يتجمد فيه كل الأشياء فكيف يغدو الشتاء شتاء عقليا لا شتاء حسيا ؟ إذا هبّ الهواء الإلهى تذوب الجبال ، ويغدو العالم ماء كحرارة الصيف حين تحل تذوب كل المتجمدات ، وحين يهب هذا الهواء يوم القيامة يذوب كل شئ أو فليجعل الله تعالى كلماتنا هذه تحوطكم وتبقى سدّا يحول دون أعدائكم وسببا في قهرهم وما الأعداء بالداخل ؛ لأن أعداء الخارج ليسوا شيئا وليسوا قوة ، ألا ترى أن آلافا من الكفار يأسرهم كافر واحد ملكهم ، وهذا الكافر أسير لفكرة بعقله إذن فالفعل يقوم على فكرة وبفكرة واحدة ضعيفة وحقيرة يقع آلاف الناس ، وحيثما